صديق الحسيني القنوجي البخاري

298

فتح البيان في مقاصد القرآن

زعمتم وجملة قَدْ خَلَتْ صفة للرسول أي : ما هو إلا رسول من جنس الرسل الذين خلوا مِنْ قَبْلِهِ وما وقع من المعجزات لا يوجب كونه إلها فقد كان لمن قبله من الرسل مثلها ، فإن اللّه أحيا العصا في يد موسى ، وخلق آدم من غير أب فكيف جعلتم إحياء عيسى للموتى ووجوده من غير أب أنه يوجب كونه إلها فإن كان كما تزعمون إلها لذلك فمن قبله من الرُّسُلُ الذين جاؤوا بمثل ما جاء به آلهة وأنتم لا تقولون بذلك . وَأُمُّهُ عطف على المسيح أي : وما أمه إلا صِدِّيقَةٌ أي : صادقة فيما تقوله أو مصدّقة لما جاء به ولدها من الرسالة وذلك لا يستلزم الإلهية ، لها بل هي كسائر من يتصف بهذا الوصف من النساء اللاتي يلازمن الصدق أو التصديق ويبالغن في الاتصاف به ، فما رتبتهما إلا رتبة بشرين أحدهما نبي والآخر صحابي ، فمن أين لكم أن تصفوهما بما لا يوصف به سائر الأنبياء وخواصهم ، ووقع اسم الصديقة عليها لقوله تعالى وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ [ التحريم : 12 ] . كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ استئناف يتضمن التقرير لما أشير إليه من أنهما كسائر أفراد البشر أي من كان يأكل الطعام كسائر المخلوقين فليس برب بل عبد مربوب ولدته النساء ، فمتى يصلح لأن يكون ربا وأما قولكم : إنه كان يأكل الطعام بناسوته لا بلاهوته فهو كلام باطل يستلزم اختلاط الإله بغير الإله ، ولو جاز اختلاط القديم بالحادث لجاز أن يكون القديم حادثا لو صحّ هذا في حق عيسى لصح في حق غيره من العباد . انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ أي : الدلالات الواضحات على وحدانيتنا وفيه تعجب من حال هؤلاء الذين يجعلون تلك الأوصاف مستلزمة للإلهية ويغفلون عن كونها موجودة فيمن لا يقولون بأنه إله . ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ أي : يصرفون عن الحق بعد هذا البيان يقال : أفكه إذا صرفه ، وكرّر الأمر بالنظر للمبالغة في التعجيب ، وجاء بثم لإظهار ما بين العجبين من التفاوت ، وقيل : الأول أمر بالنظر في كيفية إيضاح اللّه تعالى لهم الآيات وبيانها ، والثاني بالنظر في كونهم صرفوا عن تدبرها والإيمان بها . [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 76 ] قُلْ أَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 76 ) قُلْ أَ تَعْبُدُونَ أمر اللّه سبحانه رسوله صلى اللّه عليه وآله وسلم أن يقول لهم هذا القول إلزاما لهم وقطعا لشبهتهم بعد تعجبه من أحوالهم أي أتعبدون مِنْ دُونِ اللَّهِ متجاوزين إياه ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً بل هو عبد مأمور ، وما جرى على يده من النفع أو وقع من الضرر فهو بإقدار اللّه له وتمكينه منه ، وأما هو ، فهو يعجز عن أن يملك لنفسه شيئا من ذلك فضلا عن أن يملكه لغيره ، ومن كان لا ينفع ولا يضر فكيف تتخذونه إلها وتعبدونه وأي سبب يقتضي ذلك ؟ والمراد هنا المسيح عليه السلام .